أبو نصر الفارابي
12
الجمع بين رأيي الحكيمين
واذن هبوط النفس إلى البدن نتيجة عجز ؛ ومن باب التجوز ، يدعو أفلاطون عجزها جناية ، وهبوطها عقابا . اما رأي أفلاطون في ماهية النفس وعلاقتها بالجسم فلا يخلو من التردد والغموض . ففي المحاورة الواحدة ( الفيدون ) يحد النفس تارة بأنها فكر خالص ، وطورا بأنها مبدأ الحياة والحركة للجسم ، دون ان يبين ارتباط هاتين الخاصتين ، ولا أيتهما الأساسية . كذلك الحال في علاقة النفس بالجسم : فتارة يعتبرهما متمايزين فيقول ان الانسان النفس ، وان الجسم آلة ؛ وتارة يضع بينهما علاقة وثيقة ، فيذهب إلى أن الجسم يشغلها عن فعلها الذاتي ( الفكر ) ويجلب لها الهم بحاجاته وآلامه ، وانها هي تقهره وتعمل على الخلاص منه ( فيدون ) ، دون ان يبين أفلاطون ماهية هذا التفاعل ، بل هو يذهب بهذا التفاعل إلى حد علاج الجسم بالنفس والنفس بالجسم ( تيماوس ) وقيام الشعور والادراك في النفس عند تأثر الجسم بالحركة المادية على ما بين هذه الحركة والظاهرة النفسية من تباين . وفي « الجمهورية » يرد الافعال النفسية إلى ثلاثة : الادراك والغضب والشهوة ، ويسأل هل يفعل الانسان بمبادئ مختلفة ، أم مبدأ واحدا بعينه هو الذي يدرك ويغضب ويحس لذات الجسم ؟ فيقرر ان المبادئ عدة ، لان شيئا ما لا يحدث ولا يقبل فعلين متضادين في وقت واحد ومن جهة واحدة ، فلا يضاف اليه حالات متضادة الّا بتمييز اجزاء فيه ، فيجب ان نميز في النفس جزءا ناطقا وجزءا غير ناطق ، لما نحسه فينا من صراع بين الشهوة تدفع إلى موضوعها والعقل ينهى عنه . ولنفس السبب يجب ان نميز في الجزء غير النطقي بين قوتين هما الغضب والشهوة : الغضب متوسط بين الشهوة والعقل ، ينحاز تارة إلى هذا ، وطورا إلى تلك ، ولكنه يثور بالطبع للعدالة ، ونحن لا نغضب على رجل مهما يسبب لنا من ألم إذا اعتقدنا انه على حق ؛ لذلك كثيرا ما يناصر الغضب العقل على الشهوة ، ويعينه على تحقيق الحكمة في ما هو خلو من العقل والحكمة ( الجمهورية ، م 4 ) . وهذا كلام يدل على وجود قوى ثلاث في النفس الواحدة . ولكن أفلاطون ( في محاورة تيماوس ) يضع ثلاث نفوس ، ويعين لكل منها محلا في الجسم ، فيضيف إلى صعوبة التوفيق بين النفس والجسم صعوبة التوفيق بين النفوس الثلاث . وفي محاورة ( فيذروس ) يشبه النفس في حياتها السماوية الأولى بمركبة مجنحة ، الحوذي فيها العقل ، والجوادان الإرادة والشهوة . وكلامه في ( تيماوس ) يشعر بان الغضبية والشهوانية صنعهما الآلهة للحياة الأرضية والوظائف البدنية . اما فيما يتعلق بخلود النفس فقد اختص أفلاطون هذه المسألة بقسط كبير من عنايته ؛ ذكرها في جميع كتبه ، فخصص لها محاورة ( فيدون ) حيث يأتي بثلاثة أدلة : أولها عرض لرأي متواتر يقول إن النفس التي تولد في هذه الدنيا تأتي من عالم آخر